كل البشر أعدائي الفصل 0

كل البشر أعدائي - الفصل 0 - المجلد 1 - المقدمة

LazySano 2025-11-09
224 +2

منذ أربعة مليارات وستمئة مليون عام، وُلد كوكب واحد في هذا الكون الفسيح… الأرض. وبعد مئات ملايين السنين، ظهرت أولى أشكال الحياة عليه. أمّا الإنسان الحديث، فيقال إنه لم يخطُ على هذا الكوكب إلا قبل مئتي ألف سنة فقط. وهناك مَن يشبّه تاريخ الأرض الممتد لأربعة مليارات وستمئة مليون سنة بعام واحد كامل، إن كان كذلك فهو أشبه بولادة البشر عند الساعة 11:37 ليلًا من يوم الحادي والثلاثين من ديسمبر. إلى هذا الحد يبدو وجود الإنسان جديدًا ومتأخرًا في عمر هذا الكوكب.

ومع ذلك، قفز البشر بذكائهم وتقنياتهم قفزات هائلة في لمح البصر، فتطوّروا بيولوجيًا وثقافيًا، وشيدوا حضارات شتّى في كل زاوية، حتى بدا وكأنهم سادة الأرض.

وكان “الكينونة” يراقب كل ذلك من علٍ، بعينين يكسوهما الأسى.

“همم… هذا وضع مقلق. إن استمر الأمر هكذا، فسيفنى البشر…”

همس لنفسه بينما تُطِل على من يعيشون في الأسفل. كان شكله غريبًا، أقرب إلى البشر لكنه لا يشبههم. على رأسه قرون فاخرة كقرون غزال عظيم، وفي ظهرها ثلاث أزواج من الأجنحة، ستة أجنحة كاملة، أما خصره فكان يخرج منه زعنفة ذيل كذيل سمكة القرش. جلده مغطى ببقع من القشور تذكّر بالزواحف، ونصفه السفلي أشبه بجسد حيوان مفترس. ومن الجزء العلوي لجسده كانت تتدلّى كرومٌ نباتية، وعلى صدره الأيسر زهرة زرقاء بديعة، كأنها نبتت من عالم آخر. مخلوق لا يمكن وصفه إلا بأنّه خليط فوضوي من مخلوقات كثيرة.

“ممم… إنقاذهم بسيط، لكن مبدئي الأساسي هو عدم التدخل…”

كان يقف في فضاء لا يمكن وصفه.

لا سقف، لا أرض، لا جدران. مشهد أزرق سماوي يمتد بلا نهاية. ومع ذلك، ما تراه ليس سماءً. والدليل أنّ سطح ماء صافٍ يمتد تحت قدميه مباشرة. قد يذكّر كثيرًا بملّاح سالار دو أويوني في بوليفيا. غير أنّ ما ينعكس على سطح الماء هنا ليس “السماء”، بل “العالم”. أنشطة جميع الكائنات تظهر كصورة متحركة على الجانب الآخر من هذا المرآة المائية.

في فضاء لا أحد فيه سواه، واصل الكينونة يهمهم وهو يفكر بصوت عالٍ.

“لكن مراقبتهم صارت تسليتي هذه الأيام. سيكون مزعجًا إن اختفوا…”

كرر الجملة أكثر من مرة، وكأنه يتحسر على ضياع لعبة جميلة. بعدها، وكأن شرارة فكرة خطرت له، صفّق بأصابعه.

“نعم… وجدت الحل. سأمنح البشر فرصة، في صورة امتحان. فهل سيواصلون أم يهلكون؟ سأعدّ المسرح فقط، وأدع القرار لهم… على الأقل ظاهرياً.”

تلألأت عينا الكينونة، التي لا يُعلَم أذكر هي أم أنثى، كعيني طفل وجد لعبة جديدة. صَفق يديه فعمّ المكان صوت جافّ حادّ، يتردد في الأزرق الممتد بلا نهاية.

“بما أنني اتخذت القرار، عليّ وضع الإعدادات فورًا. ولمَ لا أقوم بالأمر بلمسة جمالية؟ لنجعله… بأسلوب العاب الـRPG كما يقول البشر. هففف، يبدو أنهم أفسدوني.”

تمايلت الأجنحة الستة في انسجام طريف. ثلاثة نماذج مختلفة في ثلاثة مستويات: جناح طائر، ثم جناح تيروصور، ثم جناح فراشة.

مال الكينونة إلى الأمام، ينظر باهتمام إلى العالم المنعكس تحته.

“حسنًا… ما القصة التي ستكون مثيرة؟ عليّ أن أكتب قصة تتقدم بذاتها دون تدخّلي. ويجب اختيار الشخصيات المناسبة أيضًا. واااه، يبدو كالكثير من العمل… يا للصداع.”

رغم كلماته، كان صوته خفيفًا مرحًا، وعيناه تبرقان وهو ينظر بحنان إلى مسارات البشر، فرحهم وحزنهم، غضبهم ولذّاتهم.

شاب يحاول الوصول إلى النسخة المثالية من نفسه، يجتهد ليبني مستقبله.

يتيم فقد والديه، ويصارع الجوع يومًا بعد يوم بلا فرصة للتعلّم.

زوجان يسمحان لبعضهما بالخيانة بصمت، بينما يمثلان دور الأسرة السعيدة أمام أطفالهما.

شيخ استولت عليه لعنة المال، حتى بات يخدع غيره بلا ذرة ندم.

رياضي يدفع جسده إلى أقصى حدوده بحثًا عن إنجاز جديد.

معبودة جماهير تبتسم فوق المسرح رغم قسوة الواقع الذي يطحنها.

فتاة لم ترغب في قتل أحد قط، لكن القدر حملها منذ ولادتها نحو مهنة الاغتيال.

وشاب يتساءل عن معنى الحياة، وقد أوشك على الغرق في نوم أبدي.

عشرات الحيوات المختلفة تتقاطع على الأرض. لكل منها مشاعرها، وأحلامها، وبداياتها ونهاياتها الخاصة. والكينونة يراقب كل ذلك منذ زمن طويل.

“إذا كُنت سأصنع مسرحًا، فليكن مسرحًا تتشابك فيه المحبة والكراهية، الأمل واليأس. فكلما اتسع مَدَيان المشاعر البشرية، ازداد نورها جمالًا.”

امتدّ سطح الماء إلى الجهات الأربع. ومع كل موجة صغيرة تتبدل المشاهد المنعكسة. موجات لا تُعدّ ولا تُحصى تولد وتخبو.

كمية المعلومات مهولة، لكن الكينونة يقرأ كل شيء من بدايته إلى نهايته بوجه هادئ. ولا يكتفي بالحاضر؛ بل يتبع مسارات الماضي، ويفهم طبائع الكائنات جميعًا، ونظرتهم إلى الحياة والموت. وكأنه يقلب كل الكتب الموجودة دفعة واحدة، ويستوعبها دون أن يغفل عن كلمة واحدة.

“──آوه!”

توقفت عيناه فجأة عند موجة معيّنة.

“هذا مثير للاهتمام… نعم، هذا الطفل… ذو طبيعة استثنائية. يبقى فقط اختيار الدور المناسب. هل أجعله بطل القصة؟ أم…”

وكان يضرب ذيله الشبيه بذيل قرش مرارًا فوق سطح الماء، محاولًا ترتيب أفكاره. لكن سطح الماء لا يهتز من ذلك.

فكل شيء في هذا الفضاء خاضع لإدارته. لا يحدث شيء إلا بإرادته. وكذلك الأمر على الأرض. بإمكانه حل كل شيء بسهولة تامة… لكنه لا يفعل.

لماذا؟ لأن ذلك يناقض مبادئه… والأهم من ذلك، لأنه سيكون مملاً.

توقّف الذيل عن الحركة، وارتسمت ابتسامة عريضة على شفتيه. ثم طرطقّ بإصبعين معًا فاهتز الضوء على تلك الموجة المختارة، وبدأت المناطق المحيطة تتوهج وتتماوج كأنها تستعد لافتتاح عرض جديد.

“حسنًا إذًا… سأذهب لمقابلة هذا الطفل بنفسي. ينبغي أن أتأكد من رغبته. فلا بداية لأي حدث دون النزول إلى الساحة.”

كانت الخيوط الأولى للقصة قد ظهرت بالفعل. رغم أنه مجرد هيكل، إلا أنه بدأ يكتسب ملامحًا. وشعر الكينونة بأن نفحة إلهام بسيطة كفيلة بأن تجعل هذه القصة واقعًا نابضًا.

عادةً ما يكون لأبطال القصص رفاق.

لكن إن جعلت هذا الطفل بطلًا… فلن يكون له رفاق، ولا حبيبة، ولا أحد يفهمه. سيُنظر إليه كعدو من الجميع. وحتى خيره سيُفسَّر شرًا. سيخوض حربًا وحيدًا، تنهشه الأسئلة والصراعات من كل جانب.

ومع ذلك، فهذه أيضًا متعة. فما جدوى قصة بلا حدة ولا مرارة؟

تطاير شعره الأبيض ذو الأطراف السوداء بخفة. كان الفضول فيه يكاد ينفجر.

وبعد أن أمعن النظر بانشراح، غاص في سطح الماء المتوهج.

“الآن تبدأ المتعة…”

──أبنائي الأعزاء… أرجوكم، أسعدوني بقصتكم.

ابتسم الكينونة بوجه طفولي بريء، بينما أحاط به فقاعات كبيرة وصغيرة، وهو يهوي نحو العالم.

نهاية الفصل

التعليقات

التعليقات متاحة للمستخدمين المسجلين فقط
سجل دخولك للتعليق والتفاعل مع المحتوى
جارٍ التحميل...